من التدخل الخيري الى التدخل التنموي في البحرين

من التدخل الخيري الى التدخل التنموي في البحرين

ورقة مقدمة من: علي سلمان صالح – مسؤول البرامج التنموية (برنامج الامم المتحدة الانمائي)

المؤتمر التنموي للعمل الخيري

“العمل الخيري … آفاق و تحديات”

12 ابريل 2014

 

المقدمة:

لاشك ان العمل الخيري في البحرين قد مرّ بعدة اطوار و مراحل و تطورات، اكسبت القائمين عليه بمختلف فئاتهم و اعمارهم و اجناسهم عدة خبرات، انعكست ايجاباً على العمل الخيري بشكل عام، و على المجتمعات المحلية، مروراً بالمستفيدين المباشرين، بشكل خاص. و مما لاشك فيه ايضا ان الاغلب الاعم من دوافع العمل الخيري المتمثل في العطاءات المباشرة و التطوع للقيام على العمل الخيري ادارةً و متابعةً و تمويلاً كانت و لا زال تتشكل في أغلبها من دوافع دينية و اخلاقيات مجتمعية، يردها أغلب الناس من العاملين و العوام الى كسب الثواب.

و عليه، فقد بقي العمل الخيري في البحرين لسنوات عديدة مضت مقتصرا على عاملين رئيسيين، أكسباه صفة الثبات و الديمومة، و هما عنصر الثواب، و جزئية التطوع المجتمعي. الأول اوجد مصادر التموين التي اتصفت بالموسمية كأن يكثر التبرع في بعض ايام السنة كشهر رمضان، و الثاني أمدّه بالعنصر البشري من متطوعين و عاملين و قائمين عليه. من هنا، جاء التفكير بالانتقال بالعمل الخيري من مجرد عمل مستند على الركيزتين سالفتي الذكر، الى العمل الممأسس و القائم على الانتقال من مجرد العمل الخيري البحت الى العمل الذي يأخذ بأسباب التنمية الانسانية، وصولا الى افضل غايات العمل التنموي الهادف الى الارتقاء بالمجتمع فرداً و أسراً و جماعات مجتمعية.

 اما في هذه الورقة فسأعرض الى ثلاثة محاور، يمكن للعاملين في الحقل الخيري ان يلتفتوا اليها اذا ما ارادوا ان يسلكوا طريق التنمية بديلاً عن الطريق الخيري البحت.

المحور الاول: تقليص الفجوة بين العمل الخيري والعمل التنموي

الهدف هو ان نحفز الفاعلين التنموليين على رؤية النقاط المشتركة بين العمل الخيري والعمل التنموي، وانهما شكلان للعمل الاجتماعي لهما الهدف نفسه ويختلافان في الوسائل لا اكثر. اهم النقاط التي يمكن تناولها هنا هي التالية:

أ‌-       هناك دائما دافع اخلاقي او قيمي خلف العمل الاجتماعي. وقد يكون دافعا دينيا او مدنيا او سياسيا الخ. هذا الدافع الاخلاقي والقيمي هو امر ضروري وحاسم، ويجب تعزيزه. وليس هناك من تناقض بين ذلك وبين الانتقال الى العمل التنموي. بالعمل  التنموي ايضا يحتاج الى دافع قيمي، لا بل ان مفهوم التنمية نفسه – كما وضعه المؤسسون من امثال امارتيا سن ومحبوب الحق – هو بالتحديد اعادة الاعتبار الى المضمون الاخلاقي والقيمي للنشاط الاقتصادي والنمو الاقتصادي.

ب‌-  الدافع القيمي والاخلاقي يختلف بين شخص وآخر. فهذا يكون الدافع الدين والايمان، وذات حبا بفعل الخير لذاته، وثالث سعيا وراء الغفران، واربع ارضاء لوصية والديه، وخامس بسبب اعلائه لقيمة التضامن والتعاضد…الخ. كل هذه الدوافع مشروعة ولا تفضيل لدافع على أخر لأن الامر يتعلق بخيار فردي يدفع الى عمل الخير والتدخل الاجتماعي. وهذا يقع ايضا في صلب التنمية، ولا اختلاف هنا بين العمل الخيري والعمل التنموي، بل الاختلاف في الوسائل.

ت‌-  ان التنمية تضمن العمل الخيري، وتطوره، وتطور وسائل عمله ومضامين التدخلات والبرامج، بما يكون اكثر استدامة، واكثر استجابة لحاجات الناس في المدى المتوسط والبعيد. ان المدفوع الى العمل الاجتماعي بدافع خيري صرف، يمكن ان يفعل الخير لإشباع حاجة وضرورة دينية او نفسية او اجتماعية شخصية، كأن يبحث عن المغرفة، او الجزاء الصالح، او الراحة النفسية، او يكون ذلك كفارة عن ذنب ما. وهذا كله مشروع تماما. لكنه في هذه الحالة يسد جاجة الشخصية من خلال عمله، اكثر مما تكون نقطة انطلاقه حاجات الاشخاص الذين يتلقون المساعدة منه. لذلك يتخذ الفعل الاجتماعي الخيري غالبا شكل مساعدة توزيعية، تلبي الحاجة الفورية، اكثر من كونها تتعامل مع ما يتجاوز ذلك، الا نادرا، وفي امور تقليدية معروفة (كأن تخصص المساعدة لمنحة تعليم على سبيل المثال…الخ).

ث‌-  العمل التنموي اذن هو استمرار تاريخي للعمل الخيري، وليست نقيضا له. انها تطوير له بوسائل علمية

المحور الثاني: ماذا يعني الانتقال من العمل الخيري الى العمل التنموي؟

الهدف هنا التأكيد ان الانتقال من العمل الخيري الى العمل التنموي (بالمعنى الذي اشرنا اليه، اي ان التنمية تطوير للعمل الخيري لا نقيض له)، يعني تطويره على اسس علمية تراعي النقاط التالية:

أ‌-       ان نقطة الانطلاق هي الحاجات الفردية والاجتماعية للفئات المحرومة في المجتمع.

ب‌-  اذا كان العمل الخيري يركز على تقديم الخدمة لفرد او أسرة، او مجموعة صغيرة من الافراد والاسر، كل على حدة، فإن العمل التنموي يلحظ ايضا الفئة السكانية والمجموعة السكانية كمجموعة، وخدمة مصالحها وحل مشاكلها كمجموعة، ايضا الى جانب الافراد والاسر.

ت‌-  اذا كان العمل الخيري توزيعيا بالاساس، يهتم بتلبية الحاجة الفورية وبشكل آني، فإن العمل التنموي يجب ان يكون له بعد تمكيني، وان يهتم بتلبية الحاجة الفورية وبناء القدرات من اجل تمكين المتلقي من التعامل مع مشكلته وحلها من خلال قدراته نفسها في المستقبل.

ث‌-  ان الدافع الاخلاقي والخيري هو فعل احسان طوعي من وجهة نظر القائم بذلك ومن موقعه، لكنه يجب ان يكون حقا من حقوق الانسان من وجهة نظر المعني بتلقي المساعدة. ان العمل التنموي والتمكين يعني اعتماد منظور الحق، والاحسان او فعل الخير يبقى امرا داخليا واخلاقيا في علاقة فاعل الخير مع عمله، باعتباره يقوم بالمساهمة في ايصال الحقوق الى مستحقيها. ويجب مراعاة دائما وجهة نظر المستفيد وتأكيد احساسه بأنه صاحب حق، لا شخصا لا حق له، يتلقى احسانا استنسابيا من شخص آخر، يتوقف حصوله على الخدمة على رغبة ونخوة فاعل الخير وحده. ما نحاول الانتقال اليه هو ادماج العمل الخير في منظومة الحقوق، بحيث يتحول الامر الى منظومة اجتماعية واخلاقية وقيمية محورها الحقوق وتوفير الحقوق لأصحابها.

ج‌-   العمل التنموي يتطلب توفر شرطين اساسيين: الاول هو ان يكون التدخل متكاملا لكي يكون فعالا، لا ان يكون مجرد عمل جزئي منفرد في شأن دون غيره، يلبي حاجة محددة بشكل فوري، ويترك حاجات اخرى. الشرط الثاني، او ان يلحظ ما يتجاوز اللحظة الراهنة، اي ان يتضمن مكونا تمكينيا، وان يعالج الاسباب المباشرة وغير المباشر اذا امكن، المولدة للمشكلة المعينة. يعني ذلك ضرورة استخدام الاساليب العلمية في تقييم الاوضاع، ودراسة الاحتياجات، وتصميم التدخل المناسب، وتصميم التدخل وتنفيذه بوسائل تشاركية وتمكين المستفيدين انفسهم من المشاركة في القرار والمتابعة وحل المشكلة.

ح‌-   العمل الخيري المباشر يمكن ان يكون ضروريا وصالحا بشكل خاص بالنسبة للأسر والافراد الفاقدي الموارد والذين يحتاجون الى المساعدة لأفتقادهم الى القدرات. وهذه فئة قليلة العدد اجمالا، او لنقل انها اقل عددا من فئة الفقراء او الفئات الاجتماعية التي يجب ان تشملها خطط التنمية ومكافحة الفقر. عند الاشخاص الاخرين، غير المعدمين وفاقدي القدرات، لا يكفي العمل الخيري التوزيعي، لا بل هو غير ملائم، ولا بد من وسائل اخرى. لذلك فإن التنمية تستهدف مجمل المجتمع، او فئات واسعة منه على الاقل، لا تقتصر على الذين يجب ان يتسفيدوا من المساعدات والاعانات فقط.

خ‌-   الانتقال من العمل الخيري الى التنموي، يعني ايضا الانتقال من العمل الفردي، والتنافس غير الصحي، والازدواجية في البرامج، الى اشكال اكثر تقدما من التنسيق (وهو اقل درجة) الى مستويات اعلى من التشبيك، وصولا الى التكامل. لا يمكن تحقيق هذا الانتقال بشكل فردي، او هو ان حصل فهو يحصل بصفته تحولا في عمل الجمعية المعنية، ولكن لا يكون له اثر وطني الا اذا اشتركت فيه معظم الجمعيات.

المحور الثالث: اشارة الى اطار اجندة ما بعد 2015.

اهداف الالفية في صياغتها العالمية لم تكن ملائمة للبحرين في حينه، وهو ما دفع الى السعي الى تكييف اهداف الالفية وطنيا، وادماج الاهداف العالمية في الخطط الوطنية. مع الاجندة العالمية المقترحة لما بعد 2015، الموضوع يصبح اكثر اهمية، حيث تهتم الامم المتحدة بتلافي ثغرات المسار السابق، هي تشجع بشكل خاص على تكييف الاهداف العالمية وطنيا، وعلى توسيع مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص في تحديد الاجندة، وتحقيق الاهداف التنموية.

اطار اهداف التنمية العالمية يمكن ان يكون اطارا مساعدا على توجيد جهود الصناديق الخيرية والجمعيات الاهلية على اختلافها، وذلك:

أ‌-       ايجاد اطر لمشاركة الجمعيات في مناقشة الاجندة العالمية وترجمتها الوطنية، وبالعكس، ولمنظمات الامم المتحدة دور اساسي هنا يجب ان تقوم به،

ب‌-  مع تحديد الاهداف الوطنية التي لها اولوية، يمكن عقد اجتماعات تخطيط مشتركة بين الجمعيات من اجل توزيع العمل والمهام في ما بينهم من اجل تحقيق هدف معين،

ت‌-  وضع خطة عمل ايضا من جل انشاء شبكات تنسيق قطاعية او جغرافية، لتنفيذ البرامج المشتركة.

من ضمن الافكار الممكنة، على سبيل المثال، هو سد الثغرات في نظام الحماية الاجتماعية. وبدل المساعدات المبعثرة، يمكن الدفع باتجاه نظام ارضية مشتركة للحماية الاجتماعية (ومعظم مكوناتها قائم حاليا في البحرين)، وفي هذا الصدد، يمكن دراسة الثغرات في هذا النظام، ووضع خطة مشتركة للصناديق من جل سد هذه الفجوات بشكل منهجي، يتم وفقه توزيع الادوار بشكل محدد (على سبيل المثال هل هناك ثغرة في مضوع البطالة والتشغيل، او هل هناك ثغرة في مجال الاسكان…الخ، وبناء عليه توضع الخطط على هذا الاساس).

خاتمة:

حاولت في هذه الورقة ان اعرض بعض الافكار في شكل نقاط، يمكن من خلالها ملامسة موضوع الانتقال من التدخل الخيري الى الفعل التنموي، على ان الحق هذه الورقة باخرى تكميلية اعرض فيها اهم التجارب الناجحة من دول مختلفة، انتقلت  فيها بعض مؤسسات خيرية من مجرد اداة موصلة بين فاعل الخير و المحتاج الى مؤسسات مجتمعية تنموية تعمل على صياغة و تنفيذ الفعل التنموي بشكل احترافي منظم.

و الله الموفق